أحمد بن محمد المقري التلمساني
284
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ولما تلاقينا جرى الطّعن بيننا * فمنّا ومنهم طائحون عديد « 1 » وجال غرار الهند فينا وفيهم * فمنّا ومنهم قائم وحصيد فلا صدر إلّا فيه صدر مثقّف * وحول الوريد للحسام ورود صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا * كلانا على حرّ الجلاد جليد ولكن شددنا شدّة فتبلدوا * ومن يتبلّد لا يزال يحيد فولّوا وللسّمر الطوال بهامهم * ركوع وللبيض الرّقاق سجود « 2 » رجع إلى أخبار المنصور بعد هدنة الإفرنج : ولما انقضت مدة الهدنة ، ولم يبق منها إلا القليل ، خرج طائفة من الإفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين ، فنهبوا وسعوا وعاثوا عيثا فظيعا ، فانتهى الخبر إليه ، فتجهز لقصدهم في جيوش موفرة وعساكر مكتّبة « 3 » ، واحتفل في ذلك ، وجاز إلى الأندلس سنة 591 ، فعلم به الإفرنج ، فجمعوا جمعا كثيرا من أقاصي بلادهم وأدانيها ، وأقبلوا نحوه ، وقيل : إنه لما أراد الجواز من مدينة سلا مرض مرضا شديدا ، ويئس منه أطباؤه ، فعاث الأذفونش في بلاد المسلمين بالأندلس ، وانتهز الفرصة ، وتفرقت جيوش المسلمين بسبب مرض السلطان ، فأرسل الأذفونش يتهدد ويتوعد ، ويرعد ويبرق ، ويطلب بعض الحصون المتاخمة له من بلاد الأندلس ، وخلاصة الأمر أن المنصور توجه بعد ذلك إلى لقاء النصارى ، وتزاحف الفريقان ، فكان المصافّ شمالي قرطبة على قرب قلعة رباح في يوم الخميس تاسع شعبان سنة 591 ، فكانت بينهم وقعة عظيمة استشهد فيها جمع كبير من المسلمين . وحكي أن يعقوب المنصور جعل مكانه تحت الأعلام السلطانية الشيخ أبا يحيى بن أبي حفص عم السلطان أبي زكريا الحفصي الذي ملك بعد ذلك إفريقية ، وخطب له ببعض الأندلس ، فقصد الإفرنج الأعلام ظنا أن السلطان تحتها ، فأثروا في المسلمين أثرا قبيحا ، فلم يرعهم إلا والسلطان يعقوب قد أشرف عليهم بعد كسر شوكتهم ، فهزمهم شر « 4 » هزيمة ، وهرب الأذفونش في طائفة يسيرة ، وهذه وقعة الأرك الشهيرة الذكر . وحكي أن الذي حصل لبيت المال من دروع الإفرنج ستون ألفا ، وأما الدواب على اختلاف أنواعها فلم يحصر لها عدد ، ولم يسمع بعد وقعة الزلاقة بمثل وقعة الأرك هذه ، وربما « 5 » صرح بعض المؤرخين بأنها أعظم من وقعة الزلاقة .
--> ( 1 ) طائحون : هالكون . ( 2 ) السمر : الرماح . والبيض : السيوف . ( 3 ) في ه « مكتتبه » . ( 4 ) في أصل ه « أشر هزيمة » . ( 5 ) في ه « وإنما صرح بعض المؤرخين » .